ابن الجوزي

170

صفة الصفوة

فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس « 1 » سرجه . فتقدّمت إليه وقلت : لا تنسها . فقال : نعم ولكن لي إليك حاجة : إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلّم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيّد به فرسك ، وسلّم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي ، وفي هذا العام بي ثم مات . فحفرت له ودفنته . فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها . فقال أصحابي : إنه غلام غرّ ولعله خرج بغير إذن أمّه . فقلت : إن الأرض لتقبل من هو شرّ من هذا . فقمت وصلّيت ركعتين ودعوت اللّه عزّ وجل فسمعت صوتا يقول : يا أبا قدامة اترك وليّ اللّه . فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته ، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إليّ فلمّا رأتني عادت وقالت : يا أمّاه هذا أبو قدامة ليس معه أخي ، فقد أصبنا في العام الأوّل بأبي ، وفي هذا العام بأخي . فخرجت أمه إليّ فقالت : أمعزّيا أم مهنّئا ؟ فقلت : ما معنى هذا ؟ فقالت : إن كان مات فعزّني ، وإن كان استشهد فهنّئني . فقلت : لا بل مات شهيدا . فقالت : له علامة فهل رأيتها ؟ قلت : نعم لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها فقالت : الحمد للّه . فسلّمت إليها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحا وغلّا من حديد ، وقالت : إنه كان إذا جنّه الليل لبس هذا المسح وغلّ نفسه بهذا الغلّ وناجى مولاه ، وقال في مناجاته : أحشرني من حواصل الطيور . فقد استجاب اللّه دعاءه . انتهى ذكر أهل الرقّة بحمد اللّه ومنّه .

--> ( 1 ) القربوس بفتحتين السرج ولا يخفف إلا في الشعر .